أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
297
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
تسليم تصرف « إِذْ » . والثاني : أن العامل فيها مقدر ، تقديره : واذكر رسالة لوط إذ قال ، ف « إِذْ » منصوب ب « رِسالَةَ » ، قاله أبو البقاء ، والبدل حينئذ بدل اشتمال . قوله : « ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ » في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة ، لا محل لها من الإعراب ، وعلى الاستئناف يحتمل أن يكون جوابا لسؤال ، وألا يكون . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما موقع « هذه الجملة ؟ قلت : لا محل لها ، لأنها مستأنفة ، أنكر عليهم أولا بقوله : « أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ » ، ثم وبخهم عليها ، فقال : أنتم أوّل من عملها ، أو يكون جوابا لسؤال مقدر ، كأنهم قالوا : لم لا نأتيها ؟ فقال : « ما سبقكم بها أحد ، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به » . والباء في « بِها » فيها وجهان : أظهرهما : أنها حالية ، أي : ما سبقكم أحد مصاحبا لها ، أي ملتبسا بها . والثاني : أنها للتعدية . قال الزمخشري : « الباء للتعدية من قولك : سبقته بالكرة ، إذا ضربتها قبله ، ومنه قوله عليه السّلام : « سبقك بها عكاشة « 1 » . قال الشيخ « 2 » : « والتعدية هنا قلقة جدا ، لأن الباء المعدية في الفعل المتعدي لواحد تجعل المفعول الأول يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء ، فهي كالهمزة ، وبيان ذلك أنك إذا قلت : صككت الحجر بالحجر كان معناه : أصككت الحجر بالحجر ، أي : جعلت الحجر يصك الحجر ، وكذلك : دفعت زيدا بعمرو عن خالد ، معناه : أدفعت زيدا عمرا عن خالد ، أي : جعلت زيدا يدفع عمرا عن خالد ، فللمفعول الأول تأثير في الثاني ، ولا يصح هذا المعنى ، إذ لا يصح أن يقدر : أسبقت زيدا الكرة ، أي : جعلت زيدا يسبق الكرة ، إلّا بمجاز متكلف ، وهو أن تجعل ضربك للكرة أوّل جعل ضربة قد سبقها ، أي : تقدمها في الزمان ، فلم يجتمعا » . و « مِنْ » الأولى لتأكيد الاستغراق ، والثانية للتبعيض . والوجه الثاني من وجهي الجملة : أنها حال ، وفي صاحبها وجهان : أحدهما : هو الفاعل ، أي : أتأتون الفاحشة مبتدئين بها . والثاني : هو المفعول ، أي : أتأتونها مبتدأ بها غير مسبوقة من غيركم . قوله : أَ إِنَّكُمْ . * قرأ نافع وحفص عن عاصم إنّكم على الخبر المستأنف ، وهو بيان لتلك الفاحشة ، وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتوبيخ . قوله : « شَهْوَةً » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول من أجله ، أي : لأجل الاشتهاء ، لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة لا غير .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 174 ، 1819 ) ، ( 8 / 140 ) ، ومسلم في الإيمان باب ( 94 ) ، رقم ( 367 ) ، ( 368 ) ، ( 369 ) ، ( 371 ) ، ( 374 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 371 ، 401 ، 403 ، 420 ، 454 ، 2 / 302 ، 351 ، 456 ، 4 / 436 ) . والترمذي ( 2446 ) ، والدارمي ( 2 / 328 ) ، والطبراني في الكبير ( 10 / 6 ، 187 ، 170 ، 241 ) ، وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ( 963 ، 2644 ) وانظر تخريجه أيضا في شرح السنّة للإمام البغوي بتحقيقنا . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 333 ) .